صديق الحسيني القنوجي البخاري

145

فتح البيان في مقاصد القرآن

كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى أي كمثل هذا الإحياء يوم القيامة ، فلا فرق بينهما في الجواز والإمكان ، والغرض من هذا الرد عليهم في إنكار البعث ، وهذا يقتضي أن يكون الخطاب مع العرب لا مع اليهود لأنهم يقرون بالبعث والجزاء ، وعلى هذه الجملة اعتراض في خلال الكلام المسوق في شأن اليهود وَيُرِيكُمْ آياتِهِ أي علاماته ودلائله الدالة على كمال قدرته ، وهذا يحتمل أن يكون خطابا لمن حضر القصة ويحتمل أن يكون خطابا للموجودين عند نزول القرآن ، والرؤية هنا بصرية لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي تمنعون أنفسكم من المعاصي . وقد أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قصة طويلة في ذكر البقرة وصاحبها لا حاجة إلى التطويل بذكرها وقد استوفاها السيوطي في الدر المنثور . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 74 ] ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 74 ) ثُمَّ موضوعة للتراخي في الزمان ولا تراخي هنا فهي محمولة على الاستبعاد مجازا قَسَتْ قُلُوبُكُمْ أي يبست وجفت وقيل غلظت واسودت وصلبت ، وقساوة القلب انتزاع الرحمة منه والقسوة الصلابة واليبس وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات اللّه مع وجود ما يقتضي خلاف هذه القسوة من إحياء القتيل وتكلمه وتعيينه لقاتله ، وفيه استعارة تبعية تمثيلية تشبيها لحال القلوب في عدم الاعتبار والاتعاظ بالقسوة . والإشارة بقوله : مِنْ بَعْدِ ذلِكَ إلى ما تقدم من الآيات الموجبة للين القلب ورقته التي جاء بها موسى أو إحياء القتيل بعد ضربه ببعض البقرة ، وهذا مؤكد للاستبعاد المذكور أشد تأكيد فَهِيَ أي القلوب في الغلظة والشدة كَالْحِجارَةِ أي كالشئ الصلب الذي لا تخلخل فيه . قيل أَوْ في قوله : أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً بمعنى الواو كما في قوله تعالى : آثِماً أَوْ كَفُوراً [ الإنسان : 24 ] وقيل هي بمعنى بل واختاره أبو حيان ، وعلى أن « أو » على أصلها أو بمعنى الواو فالعطف على قوله كالحجارة أي هذه القلوب هي كالحجارة أو هي أشد قسوة منها فشبهوها بأي الأمرين شئتم فإنكم مصيبون في هذا التشبيه ، وقد أجاب الرازي في تفسيره عن وقوع أو ههنا مع كونها للترديد الذي لا يليق بعلام الغيوب بثمانية أوجه . وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ قال في الكشاف إنه بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في